الشريف المرتضى
المقدمة 10
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
فأوقعهم ، من هذه الناحية ، بالعجز عن تعاطي محاكاته بأن سلبهم ما فيهم من قدرة علميّة ونفسيّة وبيانيّة على هذه المحاكاة ، كلّما قصدوا إليها وهمّوا بها ، فانصرفوا عن محاولة الإتيان بمثل القرآن - وهو موضوع التحدّي - فيما عبّر عنه بالصّرفة . . التي هي ، في هذه الرؤية ، « جهة إعجاز القرآن » . أي أنّ إعجاز القرآن هو هذا الذي كان يجده العرب في أنفسهم من العجز العجيب عن مجاراته ، وكأنّهم مسلوبو الحول والقوّة ، فاقدو القدرة ، عاجزون تمام العجز عن التصرّف حياله . وكان هذا كافيا ليؤمنوا أنّ القرآن صادر من مصدر إلهيّ . إن هذه الرؤية احتاجت من الشريف المرتضى إلى بيان مفصّل فيه من الردّ على المعترضين ومن الدفاع شيء كثير . وبعبارة أخرى : إنّه استطاع أن يجلّي الفكرة من خلال ما عكف عليه في كتابه من ردود ونقض ومن إزالة الإبهام وكشف الغموض . وهو بعمله هذا تمكّن من تقديم وضوح كاف لنظرية الصّرفة لم يسبقه اليه أحد من سابقيه ، ولم يزد عليه أحد من لاحقيه . * * * إنّ محاولة الشريف المرتضى التفصيليّة هذه تعدّ محاولة جريئة كانت تخالف التّيار السائد وتعاكس مجراه ، مع أنّه كان يعتقد بمزايا النظم والفصاحة القرآنيّة العالية . وقد ظلّت خطوته هذه تثير التحفّظ إزاءها والصمت حيالها في أقلّ تقدير . ويبدو أنّ نفرا من علماء الإماميّة ممّن تأثّروا بالمرتضى قد مالوا إلى الصّرفة في شطر من حياتهم العلميّة ، ثمّ ما لبثوا أن هجروها وابتعدوا عنها ؛ لأنّها ربّما كانت تحمل تعريضا - ولو يسيرا وعابرا - بإعجاز القرآن الداخليّ القائم على تفرّد مضمونه وتفرّد أسلوبه البيانيّ ، في حين تعني الصّرفة أنّ إعجاز القرآن مصدره إرادة من خارجه هي التي تحوطه بالعناية وتقطع السبيل على المعارضين .